أن تضيء شمعة خير من أن تلعن العتمة

المنتدى يختص بالوسائل التكنلوجية في التربية ةالتعليم


    نظرية المنهج وتاريخ العلوم

    شاطر
    avatar
    hasn sh

    المساهمات : 21
    تاريخ التسجيل : 28/03/2010
    العمر : 22
    الموقع : القطيفة

    نظرية المنهج وتاريخ العلوم

    مُساهمة  hasn sh في الجمعة أبريل 02, 2010 11:47 am

    منهج المحدِّثين بين نظرية المنهج وتاريخ العلوم

    رضا أحمد صمدي
    بسم الله الرحمن الرحيم

    يقول الأستاذ محمود شاكر: " إن الغموض إذا أحاط بلفظ "المنهج" أدي إلى خلط كثير في فهم الآداب وفي تفسيرها وفي شرحها ثم في تصوير أحداث العصر وأفكاره ورجالاته وأحواله بوجه عام".
    إن قضية المنهج من أكثر القضايا خصوبة في العصر الحديث، وقد شُيِّد تحت اسمها مدارس ونَعَى على أنقاضها ناعون، وما زالت تحظى قضية المنهج بزَخَمٍ وجدل واسع الأرجاء وفي مختلف العلوم حتى إنها شغلت معاهد علمية عريقة، واستنفذت الكثير من مجهودات الباحثين.
    وبينما كانت تتفاعل هذه القضية في أولى حركاتها البدائية في العصر الهلليني – اليوناني - حينما وجدت عند اليونان معالم واضحة لما يسميه الناس اليوم بالمنهج العلمي، كان النتاج الحضاري لحضارات الأنهار القديمة في مصر وبابل والصين والهند وسوريا يحظى بزخمه أيضا لكنها اتهمت -أي تلك الحضارات- بأنها أفرزت نتاجا على غير منهج علمي.
    وعندما انتقلت الحضارة الإنسانية نَقْلَتَها الواسعة على أيدي المسلمين كانت قضية المنهج تحتل مكانتها العادية في العقل المسلم، ولم تشتغل الحضارة الإسلامية بإثارة جدال - غير ذي نفع - على قضية المنهج، ربما لأنها كانت حضارة عملية إذا جاز التعبير، فكانت لدى كل العلوم الإسلامية – أعني التي نشأت ونمت في حُجر الحضارة الإسلامية – مناهج واضحة المعالم، لكن لم يُجْلِب أحد من أساطين العلم في ذلك الحين، أو يحدث ضجيجا لأنه وصل إلى منهج أو طريقة بحث، بل كانت الأمور تمضي بشكل عادي، دون صخب أو طنين.
    حتى إذا ما بدأت أوربا نهضتها وشقت طريقها نحو العلم والتحضر، التفتت إلى أهمية رسم طريق واضحة لتحصيل المعرفة، فارتسمت لنهضتها فكرا يقوم على "معيارية المنهج"، أي جعل المنهج العلمي معيارا لقيمة البحث العلمي حتى أضحت هذه المعيارية روحا تسري في كل أوصال النهضة الأوروبية، وصوتا عاليا لم يَعْلُ عليه أي صوت آخر.
    ومنذ أن فجر "ديكارت" قنبلة مقالته في المنهج، وارتسم "بيكون" منهجه التجريبي، تسارع خَطْوُ التقدم، وتسابق سَعْيُ التَّمَدُّن فما دخلت أوروبا قرنها الثامن عشر إلا والمنهج العلمي هو دستور كل معهد أو مدرسة تتبنى البحث العلمي.
    وليس بِجَافٍ أثرُ هذه المنهجية في مستوى البحث العلمي لدى الغربيين، فالمنهجية أسبغت سربالا بَهِيَّا على أبحاث الغربيين بحيث صارت تختال بين أمم الشرق بحللها التي لم يعهدها الشرقيون بادي الرأي.
    وتحت وطأة الانبهار وضغط الرغبة في التقليد وبتأثير قانون اتباع المغلوب للغالب اجْتَرَّتْ المعاهد العلمية في الشرق تلك المناهج العلمية في الغرب وصارت تتباهى بتلك المنهجية المستوردة باعتبارها آخر صيحة من صيحات الحضارة والمدنية.
    وقد كان مما تم التباهي به من مناهج الأوروبيين: منهجهم في النقد التاريخي، حيث وَجَدَ صَدَىً واسعاً بين الباحثين المسلمين واحتل مكانة مقدسة في أبحاثهم وأطروحاتهم.
    وعندما أصدر "لانجلوا" و"سينيوبوس " كتابهما في النقد التاريخي، غدا منهجهما -الذي أودعاه فيه- ترنيمةَ الباحثين في الجامعات العربية، وكان ذلك حتى أوائل الثلث الأول من القرن العشرين.
    ولكن أول صوت علا لينبه إلى سبق المسلمين إلى هذا المنهج كان من الأستاذ "أسد رستم " - وهو باحث نصراني - حيث ألف كتابه "مصطلح التأريخ" الذي ارتسم فيه قواعد المنهج الأوروبي في النقد، لكنه نبه في بعض فصوله إلى جهود أبي "عمرو بن الصلاح " في وضع قواعد للنقد التاريخي عبر مجهوداته في عرض منهج النقد عند المحدثين من خلال كتابه: "علوم الحديث".
    وتنبه الأستاذ "حسن عثمان " – وهو من دعاة المنهج الأوروبي في النقد التاريخي – إلى فائدة المصطلحات المحدثين ونوه بها بين ثنايا كتابه : "النقد التاريخي" الذي يمكن اعتباره عرضا جديدا لكتاب "لانجلوا وسينيوبوس" .
    وفي أوائل السبعين من القرن العشرين أجرى الأستاذ "عثمان موافي " بحثا أكثر استقصاء في الموازنة بين المنهج الأوروبي والمنهج الإسلامي، لكن فصوله كانت قلقة حائرة، فخلط بين منهج المحدثين في نقد السند ومنهج المعتزلة في النقد العقلي للمتن ليُلَفِّقَ ما سماه بالمنهج الإسلامي الذي جمع - في زعمه - بين نقد السند ونقد المتن ليظهره منهجا مشابها وسابقا للمنهج الأوروبي.
    وفي تلك الغضون ظهر بحث للأستاذ "نور الدين عتر "يعرض فيه منهج المحدثين في النقد بدون موازنة مع المنهج الأوروبي، لكن بُغْيَتَه - كما صرح هو – هو إظهار علوم الحديث في صورةِ نظريةٍ نقدية متكاملة، لكنه في الواقع لم يصنع شيئا غير إعادة تبويب مصطلح الحديث ثم سماه "منهج النقد في علوم الحديث".
    ومن بعده جاء الأستاذ "محمد الأعظمي " وعرض "منهج النقد عند المحدثين" من خلال تحقيق جزء من كتاب "التمييز "للإمام "مسلم بن الحجاج النيسابوري".
    وقد أتى بسبْق حقيقي في إثبات أن ما نزعم أنه منهج النقد من خلال كتب المصطلح إن هو إلا نتيجة منهج النقد عند المحدثين، وليس هو منهج النقد نفسه، فدراسة الإسناد تبدأ بالبحث في أحوال الرجال وما قيل فيهم، وهذه البداية التي يبدأ بها الباحث الآن كانت نهاية بحث المتقدمين، فكون الرجل ضعيفا ليس هو ما بدأ به المحدثون القدامى، بل كانت نتيجة منهج في نقد هذا الرجل.
    ويرى الأستاذ الأعظمي أن منهج النقد عند المحدثين يقوم أساسا على المعارضة بين مرويات الراوي ومرويات الثقاة، وقد تعرّض في كتابه: " منهج النقد عند المحدثين" إلى هذه القضية وإلى قضية النقد العقلي فأثبتها - مترددا - ووازن بين منهج المحدثين والمنهج الأوروبي في النقد التاريخي وتناول بعض الجهود الاستشراق في نقد الحديث وبَيَّن قيمتها العلمية من خلال دراسة منهجية متعمقة ، لكن عرضه لم يكن مستقصيا لأمرين :
    الأول: تفاصيل أسلوب المحدثين في المنهج النقدي.
    الثاني: منهج المحدثين في توثيق الرواية منذ نشأتها.
    فخلا البحث في عمق التاريخ الزماني للمنهج ومن عمق تفاصيله الدقيقة، لكنه يعد - بحق - أول محاولة جادة لعرض المنهج العلمي للنقد عند المحدثين من خلال جانب تطبيقي وهو علم العلل.
    ولاحظتُ أن من تكلم في منهج النقد عند المحدثين لم يعرض فلسفة المنهج - إن جاز التعبير - ومقوماته وروحه، بحيث إن من أراد مدارسة منهج النقد عند المحدثين قد لا يفهم العلل الأولى لخطواته ومراحله.
    كما أن هناك مُفارَقة سجَّلها أحد الباحثين في قضية المناهج وهي مفارقة " فصل المقال في المنهج عن المقال في العلم" ، وهي مفارقة يقوم عليها - أردنا أم لم نرد - كلُّ مُؤَلَّفٍ يحمل عنوان: "مناهج البحث العلمي".
    والملاحظ الذي يجب أن نسجله هنا أيضا أن جهود الباحثين لم تنصب في عرض منهج النقد عند المحدثين على صورة نظريات علمية حديثة بحيث تتقبلها الأوساط العلمية التي جهلت اصطلاح المتقدمين فأنكرت علومهم ومناهجهم، والإنسان عَدُوُّ ما يجهله كما يقولون.
    وقد تطور منهج النقد عند المحدثين عبر آلاف المؤلفات في الاصطلاح والجرح والتعديل والعلل، مع آلاف من المصنفات في التطبيقات ككتب الرواية والتخريج ونحوها، بيد أن هذا التطور ظل حبيس المصطلح القديم وبالتالي حبيس المعاهد التي ما فتئت تحافظ على تقاليد المصطلح القديم كأنها نصوص مقدسة لا يجوز تجاوزها.
    فما الذي يحول دون إعادة عرض منهج المحدثين في النقد مع تلافي أوجه القصور السالفة التي تعرضنا لها؟! قد تكون محاولة جديدة ليس غير، تسْري عليها كل مُسَوِّغات النقد والذم والعيب، لكنها ستظل محاولة جديرة بالإقدام حرية أن يجترأ على امتحانها.

    علم الحديث وعلم التاريخ

    إن التاريخ كعلم مستقل لم يحظ بالاعتراف التام إلا في الأزمنة الحديثة جدا كما يقول روزنتال، واعتبر أن تصنيف العلوم عند الإغريق والمسلمين وعند الأوروبيين في العصور الوسطى يشترك في اتجاه واحد هو: عدم استقلالية علم التاريخ.
    ويرى أيضا أن عدم استقلالية علم التاريخ عند العرب منشؤه اعتمادهم على تصنيف العلوم في العصر الهلليني والذي لم يحط للتاريخ مكانا خاصا، فسرت هذه النظرة إلى العرب من هذا الاقتباس.
    لكن أدنى تأمل لمنهج تصنيف العلوم عند الحضارتين اليونانية والإسلامية سيعطينا نتيجة حاسمة: أن التأثر لم يحدث.
    إن الحضارة اليونانية تصنف التاريخ في زمرة المعارف الإنسانية، وهو يندرج – بحكم تصنيف الكثير من فلاسفتهم – تحت إطار الفلسفة العام الذي استوعب كل العلوم في تلك العصور.
    أما في الحضارة الإسلامية فإن التاريخ علم نشأ في محيط حملة الشرع من المحدثين والفقهاء الذين كانوا في عداء صارم مع الزحف الفلسفي اليوناني على المحيط الإسلامي.
    لقد استعرض روزنتال تاريخ تصنيف العلوم منذ الكندي ومرورا بابن سينا وابن عبد البر وابن بدرون وابن الأكفاني والذهبي ورسائل إخوان الصفا وانتهاء بابن خلدون، واستنتج أن كل هؤلاء بما فيهم ابن خلدون لم يشيروا إلى استقلال علم التاريخ لأن كتبهم لم تدخل صنعة التاريخ من ضمن المنتجات العقلية المستقلة.
    لكنه يرصد كتابا للآملي، ويشيد بكتاب الكافيجي والسخاوي باعتبار عصرهم هو بداية ظهور التاريخ كعلم مستقل.
    والغريب أن روزنتال على تبحره في التراث العربي وتعمقه في تحليل النصوص يرصد هذا النمو المفاجئ وغير المنتظر على - حد تعبيره -لعلم التاريخ اعتمادا على أن الآملي أطلق على التاريخ: "علم التواريخ والسير" ، وأن السخاوي سمى كتابه: "الإعلان بالتوبيخ لمن ذمه التاريخ"، وأن الكافيجي صنف كتابا سماه: "المختصر في علم التاريخ".
    والصحيح الثابت أن علم التاريخ باعتباراته الفنية وأبعاده المعرفية الحديثة لم يكن موجودا ، لكن باعتباره العام الذي اعتبره المسلمون أنفسهم أو يعتبره مطلق مصطلح التاريخ فقد وجد مبكرا جدا لكنه لم يَتَسَمَّ نصا بعلم التاريخ، بل كان منضويا في علم الحديث. وكان المؤرخون في الحقيقة هم علماء الحديث.
    يقول مرغليوث:" تفرعت دراسة التاريخ … من دراسة الحديث … ثم صار التاريخ فرعا متميزا تدريجيا وصار الإخباري غير المحدث" . وهذا التميز الذي ادعاه مرغليوث لا يختلف عما توهمه روزنتال، والثابت أن علم التاريخ لم يجد ملاذا تحته إلا ملاذ المحدثين ومنهجهم.
    فالكافيجي والسخاوي -الذي ترجم وحقق كتابهما روزنتال يقرران بوضوح أن صفات المؤرخ التي يجب أن تتوافر فيه هي نفس صفات المحدث.
    يقول السخاوي: " شروط المؤرخ. وأما شرط المعتبر به -أي بالتاريخ- فالعدالة مع الضبط التام الناشئ عن مزيد الإتقان والتحري، سيما فيما يراه في كلام كثير من جهلة المعتنين بسير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وقد قال الخطيب في جامعه: ويجمعون " أي أهل الحديث أيضا ما روي عن سلف المسلمين من أخبار الأمم المتقدمين وأقاصيص الأنباء وسيرهم" والذي نستحبه ألا يتعرض لجمع شيء من ذلك إلا بعد الفراغ من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم.
    وهذا النص الجلي من كلام الخطيب البغدادي "الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع" وهو من علماء القرن الخامس الهجري، والسخاوي وهو من علماء القرن التاسع الهجري، دليل على أن علم التاريخ وعلم الحديث كانا شأنا واحدا يتناوله المحدث.
    لقد كان التاريخ شأنا "حديثيا "محضا لا يقوم به إلا مشاهير المحدثين، وبمطالعة عابرة – غير متكلفة ولا استثنائية – لقائمة أعلام المؤرخين التي استعرضها المستشرقون أمثال مرغليوث في "دراساته عن المؤرخين العرب" وروزنتال في "علم التاريخ عند المسلمين" ثم الباحثون المسلمون أمثال حسين نصار ومحمد عبد الغني حسن وشاكر مصطفى سنجد أن معظمهم – أي المؤرخين - إن لم يكن كلهم محدثون جهابذة ، بل إن العلامات المضيئة في تاريخ المؤرخين المسلمين لم تكن سوى نماذج واضحة لأئمة الحديث في تلك العصور مثل محمد بن إسحاق والطبري والخطيب البغدادي وابن عساكر وابن الجوزي والذهبي وابن حجر والسخاوي.
    ويقول السخاوي في الإعلان – أيضا - : "وكان مما قلته في مقدمة "التبر": علم التاريخ من فنون الحديث النبوي وزين تقربه العيون… إلى أن قال: وبهذا صرح غير واحد من علماء المذاهب أولي الأمانات بأنه من فروض الكفايات " .
    ويقول أيضا: " فائدتان: الأولى: قال العز بن جماعة: ومما يشكل ويحتاج إليه معرفة التفرقة بين علم التاريخ وعلم الطبقات ومعرفة الافتراق بين موضوعهما وغايتهما، قال: والحق عندي انهما بحسب الذات يرجعان إلى شيء واحد وبحسب الاعتبار يتحقق ما بينهما للتغاير، قلت - أي السخاوي-: بينهما عموم وخصوص وجهي، فيجتمعان في التعريف بالرواة وينفرد التاريخ بالحوادث والطبقات".
    واضح من هذا الكلام التسليم بأن علم الطبقات من التاريخ، ومعلوم أن علم الطبقات من فنون الحديث بإجماع.
    وفي المقابل نرى بعض الباحثين لا يعترف بكيان لعلم التاريخ أصلا عند المسلمين، ويقرر " أن التاريخ فاعلية تنتج معرفة توظف في أطر شتى من حديث وفقه وتفسير وتصوف ووعظ، ولكنها معرفة تنتج من أصول ليست خاصة بهذه الفاعلية فأصول التاريخ ليست من التاريخ بل هي من خارجه فهي من مفهوم الخبر".
    ويبدوا أن مثل أولئك الباحثين يظنون التاريخ عند المسلمين مجرد قصص من أمثال ما في "ألف ليلة وليلة" أو "الأغاني" أو ما احتطبه الرواة بليل في ثنايا كتب التاريخ، وأن العلوم الأخرى ما كانت تصنع شيئا إلى انتقاء ما طاب لها من أخبار تناسبها، كما يبدو أيضا أن أولئك الباحثين يصدرون في الحقيقة من منطلقات معرفية وحضارية معاصرة ولا أقول حديثة يحاكمون بها مناهج علمية نشأت ونمت منذ أكثر من ألف عام.
    ومثل أولئك الباحثين حينما يتغنون بأمجاد العلوم الإنسانية وعبقريتها فإنهم يغضون الطرف عن فضائح القوم التي وقع فيها أساطينهم مثل "هيرقليطس "الذي كان يعتقد أن غروب الشمس هو انطفاؤها في الماء وأنها تتجدد كل يوم أو كاعتقاد "أرسطو "المعلم الأول أن أسنان المرأة أقل من الرجل وكان يُعتذر دوما بأن هذا لا يقدح في مجموع مناهجهم وأنه يجب أن يُنظر إليه في ضوء إمكانياتهم وما يناسب عصورهم. وفي المقابل فإن هؤلاء عند تناول الحضارة الإسلامية يُعمِلون مِبْضَع الجراح الحاد،ّ ويضعون كل جزئية تحت مجهر ثم يفسرون من منطلقات حضارية مغايرة متهمين المسلمين بما شاءوا من أوصاف.
    والثابت أن تصنيف العلوم عند العرب والمسلمين الأوائل من واضعي العلوم ومؤصليها لم يأخذ حيزا كبيرا من اهتماماتهم شأنهم في ذلك شأن اليونان أنفسهم في بداية نشأت الفلسفة بل عند أفلاطون وأرسطو وهما أول من فصل الكلام في تصنيف العلوم ،كان التصنيف عندهم يناسب عصورهم فلا غزو أن يعتبروا الفلسفة بوتقة العلوم كلها، وأن يسوغوا للفيزيقي أن يتداخل مع الميتافيزيقي مع أن علماء المناهج يعتبرون ذلك مرحلة بدائية من مراحل تطور العلوم.
    وكان حال العرب والمسلمون أحسن بكثير في هذا المضمار ، إذ كان للعلوم الشرعية التي نشأت في الصدر الأول دور كبير في عملية التصنيف التي جرت تلقائيا لتسارع التراكم المعرفي والتطور العلمي الذي شهدته الحضارة الإسلامية في كل فروع المعارف والعلوم.
    ولقد كان المحدثون موضوعيون لحد بعيد حينما اعتبروا التاريخ علمهم هم وحيزهم الذي لا يجوز لأحد أن ينازعهم فيه لأنهم هم الذين وضعوا مناهج البحث فيه بل هم الذين أرخوا وجمعوا مادة التاريخ لغيرهم.
    ولقد أشار مرغليوث في دراساته عن المؤرخين العرب إلى أن علم التاريخ اصطلح على تسميته خبرا ، وأن المؤرخ وهو الإخباري صار شيئا غير المحدث ويضيف استنتاجا من عنده أن الإخباري كان أقل رتبة من المحدث.
    كما يعالج روزنتال مصطلح الخبر ويؤرخ لتداوله قائلا: " تقديم لنا سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم عناصر لأقدم وثائق الخبر الثابتة المقررة ".
    لكننا نأخذ الخيط من روزنتال ونشير إلى أن مصطلح الخبر مصطلح حديثي محض ،والتفريق بين الخبر والأثر والحديث بحث اصطلحي متداول في علم الحديث، وهذا يرغم كل من أراد أن يعتبر مصطلح "الخبر" أول صورة ساذجة للتاريخ أن يعتبر علم الحديث هو المهد الذي ترعرع فيه علم التاريخ.
    كما أن نزول مرتبة الإخباري عن المحدث أو تميزه عنه ليس منشؤه تصنيفه العلوم ولكن سببه أن الإخباري كان قليل كان قليل الاعتداد بالإسناد في رواية الأخبار، ولم تنصرف همته لجمع حديث الرسول صلى الله عليه وسلم بقدر جمع أخبار الأمم فحصل التمييز لهذا الاختلاف في المنهج وهو تمييز وجيه .
    وفي الحقيقة فإن أي باحث لا يستطيع أن يفر من هذه الحقيقة، وهي أن علم التاريخ صنيعة علم الحديث، وروزنتال بعد تطواف يقرر أن علم التاريخ، ولكن هذه المقاييس أغفلت كثيرا في بحوث التاريخية الحديثة .
    لم يكن التاريخ في الحقيقة إلا ميدانا من ميادين علم الحديث، ولم يكن منهج النقد فيه إلا منهج نقد المحدثين نفسه، ولم يكن مشاهير المؤرخين غالبا إلا رواة الحديث ونقاده.
    إنها الحقيقة التي آن الأوان للاعتراف بها وإن سخط الساخطون ومارى المتمارون، فليس من المعقول أن تكون مادة التاريخ الإسلامي مأخوذة من التواريخ التي جمعها المحدثون ثم نتحدث عنهم بصفة المؤرخين ، موهمين من لا تمييز له أن هناك طائفة أخرى كبيرة غير المحدثين هي التي جعلت لنا تاريخنا، وليس من المعقول أن نقول عن الخطيب البغدادي وابن عساكر وابن الجوزي والذهبي وابن كثير وابن حجر إنهم مجرد مؤرخين، بينما الحقيقة التاريخية تنطق بوضوح أنهم علامات مضيئة في علم الحديث بل من بناة منهج النقد عند المحدثين. كما أنه ليس من المعقول أن نصطنع مناهج للنقد التاريخي من غير منهج المحدثين، في الوقت الذي لا يوجد في التاريخ الإسلامي منهج للنقد إلا منهج المحدثين، وبات واضحا- إذا كان الأمر كذلك- أن منهج النقد التاريخي الذي يصلح أن نباهي به العالمين بل ونزري به المنهج الأوروبي في نقد التاريخ هو منهج النقد عند المحدثين.

      الوقت/التاريخ الآن هو الجمعة ديسمبر 14, 2018 2:33 am